أحمد فارس الشدياق

42

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

يجلب إليهم من بلاده فيجلبون القمح والقطاني من مصر ، ومن بلاد الترك والروم ، ويجلبون الفاكهة والخمر من صقلية ، والبقر والضأن والزيت من إفريقية وهلم جرّا . وزعم بعض أنّ ترابها مجلوب في الأصل من صقلّية ، وترى شجر الخرنوب والصبّار التي لا تتوقّف على كثير من الثرى أعزّ من شجر الجوز في الشام ، أما شجر الخرنوب فيكون لا صقا بالأرض كأنما هو أزرار « 25 » ومكبسة ، وأمّا الصبّار فتراه محوطا بالجدران العالية كأنّما هو حديقة ، وينوطون بكلّ منّها ورقة من الثوم منعا لإصابة العين مع أنّها ممّا تنبو عنه العين ، وإذا سألت أحدهم عن قلّة الغياض عندهم قال : نحن معاشر الإفرنج لا نصرف همنا إلا إلى زرع الأرض . فما أقلّ ظلّهم وأكثر ظلمهم ! . وإذا ضحيت « 26 » إلى الخلاء وجدت بين كل حقلين جدارا عاليا لحجز رؤية ما دونه ، فأين هذه من سهول فرنسا وإنكلترة البادية للعين على نضرتها وريعها ، وعلى كثرة ما فيها من أكاديس الغلال والعشب من دون ناطور يحفظها ، أو حائط يسترها . ويوجد في مالطة أكثر أصناف الأشجار المثمرة والبقول المأكولة ، وفاكهتهم طيّبة في الجملة إلا الليمون الحلو ، وقصب السكر ، والخيار ، فأمّا الصبّار فأكثره نوى ، وكذا الرمّان . وأكثر الفاكهة يباع فجّا ، وقلّما يدعونها تنضج خوفا من اللصوص أن تسرقها . وجميع أصنافها أرخص منها بمصر ، والتين على أصناف متنوّعة والعنب لا يدوم أكثر من ثلاثة أشهر ، أما الاترنج فإنه يدوم نحو سبعة أشهر ويرسل منه إلى بلاد الإنكليز وغيرها كالطرفة . فإمّا ما يأتيها من الثمر من صقلّية فإنّما هو سداد من عوز . وعندهم من الفاكهة أصناف لا توجد في بلادنا ، منها صنف يقال له الفراولي وهو حب أحمر صغير بقدر ثمر العليق حامض يصلحه السكر ، وأخر يقال له نصبلي وهو شبيه بالمشمش ، أو بعين البقر ونواه كبير ، وآخر اسمه زربي وهو أشبه بالزعرور شديد الفجيّة يجعلونه أعذاقا كأعذاق التمر ؛ فينضج منه كل يوم حبّات ، ويدوم العذق بجملته أشهرا ولا يعرفون حفظ الفاكهة إلى أوان الشتاء كما يفعل في بلاد

--> ( 25 ) أزرار : لم أجد لها معنى ، وفي طبعة تونس : أرز أو مكبّبة . ( م ) . ( 26 ) ضحيت إلى الخلاء : خرجت . ( م ) .